الخــال في المفاهيم البدوية والجذوريّــة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

شبكة المدونون العرب - الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

"

الخال من الجذر الثلاثي (خ و ل) ، وجاء في اللسان لابن منظـــــــور :
الخالُ: أَخو الأُم، والخالة أُخْتُها، يقال: خالٌ بَيِّن الخُؤُولة.
وبَيْني وبين فلان خُؤُولة، والجمع أَخوال وأَخْوِلة؛ هذه عن اللحياني، وهي شاذة، والكثير خُؤُول وخُؤُولة؛ كلاهما مرويّ عن اللحياني؛ والأُنثى بالهاء، والعُمُومة: جمع العَمِّ، وهما ابْنا خالةٍ ولا يقال ابْنا عَمَّة، وهما ابْنَا عَمٍّ ولا يقال ابْنا خال، والمصدر الخُؤُولة ولا فعل له.
وقد تَخَوَّل خالاً وتَعَمَّم عَمًّا إِذا اتخذَ عَمًّا أَو خالاً.
وتَخَوَّلَتْني المرأَةُ: دَعَتْني خالَها.
ويقال: اسْتَخِلْ خالاً غير خالك، واسْتَخْوِل خالاً غير خالك أَي اتَّخِذْ.
والاسْتِخْوال أَيضاً: مثل الاستخبال من أَخْبَلته المال إِذا أَعرته ناقة لينتفع بأَلبانها وأَوبارها أَو فرساً يغزو عليه؛ ومنه قول زهير:
هنالك إِن يُسْتَخْوَلوا المالَ يُخْوِلوا،*** وإِن يُسْأَلوا يُعْصُوا، وإِن يَيْسِروا يَغْلوا وأَخْوَلَ الرجلُ وأُخْوِل إِذا كان ذا أَخوال، فهو مُخْوِل ومُخْوَل.
ورجل مُعِمٌّ مُخْوِلٌ ومُعَمٌّ مُخْوَل: كريم الأَعمام والأَخوال، لا يكاد يستعمل إِلا مع مُعِمٍّ ومُعَمٍّ. قال الأَصمعي وغيره : غلام مُعَمٌّ مُخْوَل ، ولا يقال مُعِمٌّ ولا مُخْــوِل.
واسْتَخْوَل في بني فلان : اتَّخَذهم أَخوالاً.
وخَوَلُ الرجلِ: حَشَمُه، الواحد خائل، وقد يكوْن الخَــــوَل واحداً وهو اسم يقع على العبد والأَمة؛ قال الفراء: هو جمع خائل وهو الراعي، وقال غيره: هو مأْخـوذ من التخويـــــــل وهو التمليك ؛ قال ابن سيده : والخَوَل ما أَعـطـى اللهُ سبحانه وتعالى الإِنسانَ من النِّعَم.
والخَوَل العبيد والإِماءُ وغيرهم من الحاشية، الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في ذلك سواء، ومنه الحديث الشريف الذي يستوصي بالخدم : ( إخوانكم خَوَلكم .....) ووجه المشاكلة بين :
الخال : أخي الأم
الخوَل : الخدم والحشم
ما خُوِّل الإنسان من نعم ،
هو أنها جميعها من توابع المرء وحواشيه ومما أفاضه الله عليه من إنعـــــــام .
وللخال منزلة كبيرة في البادية وعند العربي لا يُمكن إغفالها بحال، وهذه المنزلة تتراوح بين الإهمال وبين الرَّفع لدرجة السموّ . وإليكم البيان من خلال الأمثـــــال التالية :
-لولا الشكّ الخال ولّاد (يشير للشبه بين الذريّة وأخوالهم) .
-الخال مخلّـى . (أي بعيد ولا يرث) ، وهو كلام مرفوض شرعـــاً .
-الخال بمنزلة الأب ، ولعل هذا مأخوذ اشتقاقا من الحديث الشريف الصحيح : ( الخالـــــــــــــــة بمنزلـــة الأم ) فأتبعوه بالخال .
-أو : الخالُ والد : يعطف عطف الأب وله ما للأب من الاحترام ،قــال تعالى عن البيوت التي يسمح بدخولها والأكل منها { لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَـــرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) }سورة النور .
-لو كان خال الخال به خصلة ردى *** يردى الفتى ولو كان خاله  أجــود
ومن القصص البدوية المعبّرة في هذا المقام ، أن رجلاً من حكماء الباديـة مــرَّ بقومٍ ، وإذ برجل فيهم يدّعي الزعامــة والمشيخة ، ولكنه غير مؤهّـل للمشيخة ، فسأله :
ما اسمك ؟ فأجاب .. وإذا به يحمل اسما جميلا .
من أبوك ؟
وكان أبوه ذا سمعة طيبة .
من أمّك ؟ وكانت أمّــه طيبة الأعراق ، وأخواله من عِليـــــــة القوم .
ثم سأله : من خال خالك أيها الشيخ ؟
فقال : خال خالي هو عكعوك .(*).
فقال الحكيم : وجدْتُهـــا ، كلُّ البلاء جانا من عكعـــــوك !
وهذا ما أشار إليه الإسلام في الحديث الشريف : ( تخيَّــــــروا لنطفكم فإنَّ العرق دساس ) ، وهو حديث للعلماء فيه مقالة ، لكن الأصح حديث : (تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ‏.)(**)  فكانوا يبحثـون عن جذور من يُصهِرون إليهم ويصـــل بحثهم واستفسارهم إلى درجة السؤال عن أخوالهم وأخــــوال أخوالهم.
ويروى في كتب السيرة المطهرة والحديث الشريف أنَّ العرب كانوا يفتخرون بخؤولتهم مثلما يفتخرون بعمومتهم ، ويستدلون بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعن جابر بن عبدالله قال : أقبل سعد بن أبي وقاص فقــال النبي صلى الله عليه وسلم :  " هذا خالي فليرني امرؤ خاله "
وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة , وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خالي . انتهى كلامه . وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه .
و من العادات المتبعة أن يطلق على أبي الزوجة خال، وعلى أم الزوجة خالـــــــة، وبعضهم يطلق عم أو عمة، وبعض الإخوة المتنطعين يزعم أنه لا يجــوز أن يطلق هذا الاسم على أبي الزوجة، أو الأم ، يقولون :
أما أبو الزوجة فلا يسمى خالاً، ولا عماً لأنه ليس خالاً شرعـاً، ولا عماً شرعــــاً، وكذلك أم الزوجة ليست خالـــة، ولا عمة، فلا ينبغي أن يسمى أبو الزوجة خالاً أو عماً، ولا ينبغي أن تسمى أم الزوجة خالة أو عمة، وإنما يُسمون بالتسمية التي سُمّوا بها عند أهل العلم، وهم الأصهار، فيقال: صهري فلان، أبو زوجتي فلان، صهرتي فلانة، أم زوجتي فلانة، وأما أن يسموا بأسماء شرعية لا يتصفون بما تقتضيه هذه الأسماء، فإن ذلك لا ينبغي. ونقــول لهؤلاء: لقد ضيّقتم علينا وعلى أنفسكم، وتحجّرتم واسعاً !!!
والإطلاق يا سادة ، من باب التحبب والتجوز، ورسول الله جوَّز أن نقول : يابني ، لمن هو ليس ابناً حقيقيّــاً لنا .
============ حاشية :
(*) العكوك والعكعوك من العكك ، كلمة تحمل في طياتها السخرية والتندّر ، تشير إلى رجل قصير قميء ولها معان أخرى .
(**) رواه الحاكم في المستدرك . (1113) .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق