أمّى.. رَحْيلٌ يَعْود!

الكاتب:أحمد الغرباوى-مصر

الكاتب:أحمد الغرباوى-مصر

شبكة المدونون العرب - الكاتب:أحمد الغرباوى-مصر

"

( 2 )
عَلّمتنى أمّى:
أنّ الحُبّ قدرٌ..
قَدَرْ..
أنّ الحُبّ مَطَرْ..!
عَلّمَتنى أمّى:
أنّ الحُبّ دَوْاءٌ لكل البشر..
فلمّا ضاقت الأرض بالقبور..
تكشَفت اللحود عن تفحَم الجُثث..!
فقد إسْوَدت القلوب مِنْ شِدّة الكُره..
مِنْ شِدّة الكُره- يا أمّى- اسْتَعـر الحُبّ فاحترق..!
عَلّمتنى أمّى:
أنّ الحُبّ عَطاء..
ولمّا رَحلت..
هَمْست في أذنى:
وأيضًا _ ياولدى _ في المَوْتِ عطاء..!
يَسْتَرِدُّ الربّ من العاشق مَحْبوبه..،
فتولد من رَحِم العِشْقِ الحكمة..؟
عَلّمتنى أمّى:
أنّ للأرواح المُعْذّبة أجنّة..!
وأنّ للأجنحة المُتكسّرة براعم نبت..!
وأنّ أصحاب الجروح المُستترة دائماً..
دائمًا يعطون دون مقابل.. ولايسألون
لا يلتمسون السّما جزاءاً ولا شكورا..
دائما بلا جدوى..
في صمت؛ دون جدوى يَنزفون..!
عَلّمتنى أمّى:
إننى لم أكن أستحقها.. !
ولمّا رحلت؛ أيقنت إننى لم أعد استحقها بعد..!
فإننى لا أستحقك ياأمّى..
ولكن..
كم أحتاج حُضنك تدثّر فقد حُبّى..!
عَلّمتنى أمّى:
أن سَحَرَ الفجر مُجابُ الدّعاء..!
وأنّ أبَدْيّة النور من نضح دوام وهب.. وغيث عطاء مَنْح!
وفى حنين رَواحها ومجيئها.. توحّدت كًل مُبرّرات وجودى!

عَلّمتنى أمّى:
أنّ هناك جَنّة لايمكن أن تُطرد منها أبدًا..!
وتبقى..
تدوم ذِكرى حاضر؛ ووجود مستحيل..!
ولمّا رُحت أبحث عن عطايا وهبات أمّى؛ المحفورة بين جفون كل من أبصرها وتماس وحَدّها..
أنكروا..!
وأبحرتُ في شرايينهم..
يرغبون محو آثار كرمها بمىّ النّار..
عاقبهم الربّ فأحرقوا عيونهم.. وصاحوا وماجوا..
يبكون عماء بصيرتهم..
 ولم يدركوا أنها كانت بصيرتهم وروح حياتهم..!
ولما فردت شراعى..
ورسوتُ أمام شواطئ حضورك.. ظنّوا..
ظنّوا أننى صاحب حاجة.. أو طامع في احتياج..
ولملموا رِمْالهم في مِخلاتهم.. وهرولوا لإطفاء نيران الشَىِّ.. وابتلعوا أسماكهم عِنوة وتخمة.. وفروا بعيدًا بعيدا..
وجهلوا أن جَسدى ينزّ رائحةً؛ مما أشبعتنى به أمّى حتى الموت..؟
وأننى رَحّالة.. عاشق على متن قارب في بحر..
يوزّع كنوز أمّه على كل البلدان..!
فقد ترحل أمى؛ وتورثنى من حياء القلب؛ وإيثار العقل؛ واستغناء الروح..
تورثنى ما لايرحل أبَدْاً.. أبَدْا..
بل يعود..
ويعود..!
ويُعْلّمُنى الشيّخُ الطيّب المذكور في كُلّ الأشعار والأوراد والأسفار:
ـ أنّ كُل الذي يرحل لايعود..!
ويهَمسُ في أذنى:
ـ وإنْ عَاد..؟
وإنْ عَاد..
أيْضاً..
 ياولدى لايعود..!
فإلى أمى..
رحيلٌ بلاعودة..
وحضور دائم بلا رحيل..!

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق