يتعرض المدوّنون الجزائريون للملاحقة الأمنية الدائمة في الجزائر، بسبب أرائهم وانتقاداتهم للسلطة والوضع العام للبلاد، وتبرر الحكومة إجراءاتها القمعي

التدوين مهنة تفتح شهية السلطات الجزائرية للعقاب

شبكة المدونون العرب - الجزائر

"

ترفع السلطات الجزائرية سلاح القمع والإعلان، في وجه الصحافيين والمدوّنين لترويض الأقلام المناهضة لها، وإذ وفقت لحد كبير في تدجين الساحة الإعلامية بسبب توظيف ورقة الإعلان المحتكر في تكميم الأفواه، تلوح من حين لآخر بأساليب القمع والاعتقالات والسجون، لإسكات صوت المدوّنين المزعجين، بدعوى تجاوز القوانين والاعتداء على حقوق الآخرين بالسب والشتم والتشهير.
وتشكل قضية المدوّن مرزوق تواتي، المتهم بالخيانة والتحريض على الفوضى، والتخابر مع جهات أجنبية، أخطر القضايا المطروحة في الدوائر الحقوقية المحلية والدولية، وطالبت لجنة حماية الصحافيين السلطات الجزائرية، بالإفراج الفوري وغير المشروط وإسقاط التهم الجنائية عن تواتي، الموقوف في سجن بمحافظة بجاية (300 كلم شرقي العاصمة).
وأوضحت لجنة حماية الصحافيين، في بيان لها نشر الاثنين بواشنطن، أن قوات الأمن الجزائرية اعتقلت مرزوق تواتي في 18 يناير الماضي، وأشارت إلى أن “الصحافي يخشى من أن يؤثر الاهتمام الدولي الذي يحظى به على فرص إطلاق سراحه”.
وكانت الصحف الجزائرية قد أكدت أن الشرطة صادرت كمبيوتر تواتي، موضحة أن اعتقال هذا المدوّن يرتبط بما ينشره على موقع “الحقرة. كوم”، وهو موقع يعتمد مواقف محرجة للنظام والمسؤوليين الجزائريين.
وبرر طيب لوح وزير العدل الجزائري، سلسلة التوقيفات التي طالت عددا من المدوّنين، بأنها بسبب “تجاوز هؤلاء لحقوق الآخرين واستعمال أساليب القذف والسب والتشهير في التعبير عن أرائهم أو انتقاد المؤسسات والأشخاص”، وقال إن “التشريع واضح وصريح في هذا المجال، ومن حق القضاء حماية حقوق الناس ومعاقبة المعتدين”.
المدونات والصفحات الشخصية للناشطين سرقت الأضواء من وسائل الإعلام التقليدية وتحولت إلى مصدر قلق للسلطة
وأضاف “مصالح الأمن تقوم في إطار الإجراءات القضائية بالاستماع إلى هؤلاء، لتقديمهم إلى العدالة في حال وجود أدلة تدينهم”.
وتعرّض، مؤخرا، العديد من المدوّنين إلى التوقيف والسجن، بسبب آرائهم وانتقاداتهم للسلطة والوضع العام للبلاد، مما حوّل مهنة التدوين في الجزائر، إلى أخطر مغامرة صحافية، في شيوع سياسة القمع وتكميم الأفواه المنتهجة من قبل الحكومة، لاسيما عندما يتعلق الأمر بـ“مؤسسات ورموز الدولة”، كرئيس الجمهورية، الذي أحيل بسببه العديد من المدوّنين إلى السجن، حيث سبق تواتي، مدوّنين آخرين بتهم متعددة، تتمحور كلها حول القذف والتشهير والإساءة لرموز الدولة، على غرار الحقوقي والصحافي حسان بوراس، وكريم كاكي وصهيب قرفي.
وكانت مجموعة من التقارير الدولية سبق واتهمت الجزائر بتقييد الحريات العامة وحرية التعبير، وبقمع الصحافيين والمدوّنين والحقوقيين، كما صنفتها تقارير أخرى، ومنها منظمة مراسلون بلا حدود، في ذيل مؤشر قائمة الحريات الصحافية.
وأثارت قضية المدوّن الشاب الجامعي صهيب قرفي، الذي حوكم بتهمة إهانة هيئة نظامية والإساءة إلى رئيس الجمهورية، جدلًا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة بعد التصريحات التي نقلها محاميه من قاعة المحاكمة، والتي شهدت انحياز القاضي للسلطة وتهديد المتهم بـ“الذبح”. وكل هذا يؤكد خطورة وضع التدوين والمدونين في الجزائر، فمجرد سطور بسيطة على شبكتي فيسبوك أو تويتر أو تسجيل على يوتيوب، كافية لجرّ صاحبها إلى ما وراء القضبان، والتهم جاهزة، تتمحور في المجمل حول الإساءة إلى رموز الدولة أو إهانة هيئات نظامية، الأمر الذي أصبح شبيها أو أكثر قساوة من وضع المحتجين في الشوارع، والرافعين للشعارات المناوئة للسلطة، حسب ما صرّح مدوّن فضل عدم الكشف عن اسمه.
وطرحت قضية المدوّن صهيب قرفي تساؤلات جوهرية، حول مدى استقلالية القضاء، وتدخّل الأجهزة التنفيذية في عمل القضاة، بعدما تحوّلت رموز الدولة والهيئات النظامية إلى مشجب تعلق عليه ممارسات القمع، وتكميم الأفواه والحريات. وبرزت في الجزائر في السنوات الأخيرة العشرات من المدونات والصفحات الشخصية في إطار زخم الإعلام الجديد، وما تتيحه شبكات التواصل الاجتماعي من فرص التعبير عن الآراء والأفكار، وتمكّن بعضها من استقطاب الأضواء من وسائل الإعلام التقليدية، حيث صار جمهور بعضها يتجاوز المليون زائر، بينما لا تتعدى نسخ بعض الصحف المحلية حدود الألفي نسخة.
واستطاعت مدوّنة “الحقرة” للناشط والمدوّن تواتي مرزوق، استقطاب اهتمام الرأي العام في الآونة الأخيرة، نظير مواكبتها المستمرة لتجاوزات السلطة ومعاناة المواطنين، ما حولها إلى مصدر قلق للسلطة، ودفع بها لتوقيف صاحبها وإحالته على القضاء بتهم خطيرة، تتعلق بالخيانة والتحريض على الفوضى والتخابر مع جهات أجنبية، بسبب دورها في أحداث الاحتجاج والعنف التي شهدتها مدينة بجاية مطلع العام الجاري.
وشكّل التسجيل الذي بثه المدوّن في موقعه حول مضمون الاتصال الهاتفي مع الناطق باسم الخارجية الإسرائيلية حسن كعبية، حول دور مفترض لإسرائيل في تصيد الفرص لإشعال الفوضى والعنف في الجزائر، الحجة التي قد تثقل العقوبة على المدون الموقوف.
وكان تقرير حديث لمنظمة مراسلون بلا حدود، قد اتهم السلطات الجزائرية، بالتغلغل في قطاع الإعلام وتوجيهه وفق طروحاتها، من خلال توظيف احتكار الإعلان، في الضغط على المؤسسات الإعلامية والصحافيين، الذين ينتقدون سياساتها وتوجهاتها.

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق