ذاكرة... سيرتي وفبراير . (2 -2)

الكاتبة: فاطمة غندور - ليبيا

الكاتبة: فاطمة غندور - ليبيا

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: فاطمة غندور - ليبيا

"

فتحتُ صفحتي علي الفيس لتتوالى الاخبار بدءا من اعتقال المسؤل القانوني عن ملف ضحايا مذبحة " سجن ابوسليم "( هي مذبحة جرى فيها تصفية بشعة لمئات من السجناء عام 1996)  فتحي تربل الى اعتقال الصحفي أدريس المسماري ثم يليها بأيام قليلة وضعت الصحفية سالمة الشعاب عبر صفحتها بيان نقابة صحفي واعلامي طرابلس ووقفتهم الاحتجاجية أمام المقر تضامنا مع أهلنا في بنغازي( ستختفي بعدها هي والصحفية سعاد سالم ) ، وقبلها اعتصام نقابة محامي طرابلس مُعلنين وقوفهم ضد ما يجري من استعمال للقوة وقتل لمتظاهرين سلميين بمدينة بنغازي ، وكانت الاخبار تتساقط كالرطب مع اعلاننا حالة الاستنفار بمجرد الالتقاء بنخبة من الاصدقاء : يوسف الشريف ، حواء القمودي، أحمد الناجح، فريال الدالي، سالمة المدني ، علي الجواشي، و المدونة كريمة الفاسي التي نقلت لنا أخبار زوجها رامز النويصري بمقر عمله بمدينة البريقة النفطية ، كنا نتبادل ما أفصح عنه أصدقاء من بنغازي عبر الاتصالات التي لم تتوقف بعضها كان يستنجد بموقفنا الذي عليه أن يطالب بإيقاف ما يصدر عن النظام من أشكال العنف والوحشية التي فاقت كل تصور كأطلاق الرصاص على مشيعي جثامين المُنتفضين،كان جل نخبة مدن الشرق الليبي  من مُرسلي أصواتهم الثائرة والناقلة لما يجري كشهود عيان بعضهم وثقوها صورة وصوتا ،وباشروا بأرسالها لنا ، و عبر الموبايل أو رسائل صفحة الفيس بوك كتبوا أسطرا تصف الحال لنعلم الاخرين بحقيقة ما يحصل قبل قطع الاتصالات ، وأتذكر من أولئك الاصدقاء من شرق البلاد : أحمد الفيتوري، أحمد يوسف عقيلة، سالم العوكلي وزوجته السيدة محاسن، و وجدان عياش الشاعرة الفلسطينية المقيمة ببنغازي التي استمرت اتصالاتها بي تصف لي تعاضد وتعاون الناس مع بعضهم البعض مع اشتداد حالة المواجهة بين المتظاهرين  والاجهزة الامنية و الجيش ( قبل أعلان انشقاقهم ) والمنضوين في منظومة القذافي من لجان ثورية و اصحاب القبعات الصفر ، ما فاقم تأزم الاوضاع رغم أنها لم تتجاوز الأربعة أيام التي انفك فيها الشرق الليبي عن منظمومة القذافي ما يدلل على هشاشة ذلك النظام وأن ضجيجه وبُعبُعهُ لم يتجاوز تلك البروباقندا التي ملئت الوسائط الاعلامية التي تسرب خطاباته!
 في طرابلس عمت المظاهرات كانت انتفاضة مدن وشوارع وأزقة طرابلس، ملأنا الرُعب داخل بيوتنا فصوت إطلاق الرصاص المتواصل ليل مظاهرة ميدان الشهداء الذي لم نعرف تفاصيله المروعة بعدد القتلى والجرحى (شوارع : فشلوم ، سوق الجمعه ،تاجوراء ...)  فقد تحايل الطاغية وأزلامه بخطط لم يسبق لها مثيل كإخفاء الجثت، و إزهاق الارواح داخل مستشفى عام تسرب إليه أعضاء أمنيون ، ومن استطاع سحب شهيده من الميدان توجه به المنتفضون الى بيوتهم وسوانيهم ( مزارعهم ) لدفنه سراً ، صديقتي وهي استاذة نحت بكلية الفنون والاعلام حكت لي أنهم كعائلة لم يستطيعوا أخذ جثمان زوج شقيقتها، وهو ممن خرجوا في مظاهرة بشارع زاوية الدهماني ، إلا حين أُجبروا على توقيع ما يُشبه الاتهام حول سبب الوفاة ! ما فحواه المشاركة بقلب النظام ، والخيانة والعمالة، وأنه من العصابات المسلحة،
كانت أخبار الاعتقالات تتواتر وخاصة حكايات ما بعد منتصف الليل، وبطريقة تعسفية مُهينة، لا تحترم حُرمة البيوت، وتفاوت ساعات التحقيق وفترات الاعتقال بين الساعات والايام وهناك من امتد اعتقاله لأشهر وكنت في جريدتي ميادين أجريت مقابلات مع معتقلات خرجن في تلك المظاهرات منهن طبيبة تخدير أسعفت أحد الأسرى الثوار فجرى اعتقالها و ممارسة وسائل تعذيب بحقها كان منها استعمال الكوي الكهربائي ونشرت تفاصيل ذلك ضمن مذكرة قدمتها لمنظمة حقوقية دولية ، مارس النظام قمعه وكبته وتسليط زمرته ومندسيه ومخابراته بين الشوارع والازقة ووصل حدا لا يطاق، كانت الرسائل عبر الموبايل مهددة ومتوعدة بالويل وقطع الدابر للخونة والمُندسين من نعتهم في خطابه المشين سيء الصيت: الجرذان، وسؤاله من أنتم؟ ففي ظنه أن لا أحد يجرؤ على الخروج صادحا برأيه أو مقدما روحه ثمن موقفه بعد عقود ممنهجة في دروس القهر والأذلال ، ما لبد أجواء المدينة بالبؤس والكآبة، وكنت قد وجدت فضاء كليتي التي أُدرس بها مجالا لأدُسَ الكثير من الاسئلة عما يجري يومها على طلبتي (بعضهم ممن اعتقلوا فيما بعد ) والذين بدا بعضهم متنورين تجاه مفاهيم الحرية، والديمقراطية ، وصنع غد أفضل لليبيا بعيدا عن حُكم الطاغية، وبين من أعمتهم الاقاويل المفبركة والمدسوسة التي نشرها الاعلام وروج لها رجاله، من أن الاستعمار قادم ولن يمنعه غير بقاء القذافي وأبناءه من بعده ! ، كان أحد طلابي قد تجرأ بأحدى النقاشات التي كنا نواري الابواب أثناءها : ومن قال أن الطاغية لم يكن استعمارا أمتد لاربعين سنة ...
في خضم كثير من الاحداث في المدن المُنتفضة، والتي واجهها نظام الطاغية بالسلاح وبأبشع صنوف القهر والاذلال ضد من تجرؤوا وقالوا كلمتهم لطلب الحرية والخلاص... كنا نتسقطُ  أخبار مدن الثورة التي تلاحقت كما سعير النار : الزاوية ، الزنتان ، جبل نفوسه ، مصراته ، جالو، أوجله، الكفرة، سبها... حينها  قسم الطاغية البلاد فما من مدينة تنتفض إلا ويقطع عنها وإليها الاتصال والتواصل حتى تغيب الحقيقة ، حقيقة حراك الثورة وتضحيات وإيثار الناس ، في حين أشاع أن الاستعمار قادم، والمنشقين عنه سيقسمون البلاد ... بين شد وجذب كنا نأمل وننتظر نتألم بغصة الفقد، والعجز عن الفعل... حينما قرر الثوار الذين امتشقوا السلاح جبرا وبلا خيار إذا أعلن القذافي فتح مخازن السلاح وصاح من أعلى مبنى بوسط العاصمة سأجعلها نار حمراء جمر ! ساعاتها أتيح السلاح للجميع وتقدم الشباب وقرروا أن يكونوا وقود هذه الثورة، كان لابد من قرار المواجهة وأن لاعودة  وكم كان الثمنُ غاليا .
في أحيان كثيرة فقدنا التواصل الحي فيما بيننا من شدة القبضة الامنية على المشهد الصحفي والاعلامي، وافتعال الانشغالات الحياتية (كطوابير البنزين، وارتفاع اسعار المواد الغذائية، وعدم وجود السيولة المالية بالمصارف) ودعوة الشباب وبكثير من المغريات لخوض الحرب ضد ثوارنا كانت طوابير على مقر القذافي بباب العزيزية تقدم كل المغريات لكي يتطوع الشباب لكل واحد منهم بطاقة تعلن عن استلامه لكلاشنكوف ! ، وكذا ما شاب كل مؤسسة وشارع من تهديد لكل من ينحاز الى الثورة يتم الابلاغ عنه ليجري ملاحقته واعتقاله ...رغم أن جهودا كبيرة من قنوات فضائية ساهمت كثيرا في إجلاء الصورة وغامر بعضهم بالاتصال عبر جهاز الثريا كشهود عيان من داخل بعض الاحياء ، وإن ارتكبت بعض الاخطاء من بعض القنوات حتى بدت ليبيا كبلاد مُكتشفة من جديد جغرافيا وبشر ... كان مشهد الثورة ينجلي بصور التضحيات الجسام التي تنافس فيها شبابنا بالداخل والخارج.
يا ألله إذا أسردُ هذه الشهادة وأراجع بعضا من سيرة أشهر الثورة وكنتُ بطرابلس التي حاصرها النظام القمعي واشاع الفتنة والانقسام بين بيوتها وملأ الخوف والرعب صباحاتها وليلها .. هل هذه ليبيا وهؤلاء هم أبناؤُها من سكبوا دمهم مُضحين لأجلها فوق ترابها، وأن لا تراجع حتى دحر الطاغية وابنائه ومرتزقته، وأن صفحة جديدة عصية وعسيرة - رغم التركة الشائنة لنظام شمولي، ومستقبل ليس فيه تأسيس لما سيتمُ الأتكاء عليه -  قرر الشعب الليبي خطها بدمه رجالا ونساء وأطفال ستجيء .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق