طبز وزبط وما حولهما من عائلة ( الطاء والباء والزاي)

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

شبكة المدونون العرب - الدكتور محمد فتحي راشد الحريري - الإمارات العربية المتحدة

"

جاء في لسان العرب والقاموس المحيط في مادة (ط ب ز) :
الطِّبْزُ، بالكسر: رُكْنُ الجَبَلِ، والجَمَلُ ذُو السَّنامَيْنِ. وأضاف اللسان أنه الهائج.
وطَبَزَ جاريته أو زوجته : جامَعَها.
والطَّبْزُ: المَلْءُ لِكُلِّ شيءٍ.
والعامّة تقول : طوبز الرجل إذا أدار عجيزته للمتابع أو المشاهد له ، وانحنى على هيئة الركوع . وطوبزت المرأة إذا فعلت ذلك لِتُمَكِّن زوجهــا من معاشرتهــا من الخلف (في موضع الولد طبعاً) ، أما  في الدُّبًـــر فهو حرام قطعــاً ، إلا عند بعض سفهــــاء الطوائف الإسلامية الشَّاّذّة . ولنلاحظ قصر الطبز على البعير ذي السنامين ، وهذا يشي بالمشاكلة بين السنامين والأليتين إذا برزتــا للعيان أثناء الطوبزة ، ويشير وصف اللسان بأنّه الهائج إلى قولهم (طَبَزَ جاريته أو زوجته : جامَعَها ) ، وكأنني ألحظ أنَّ الاستعمال العربي للفعل طبز عريق جذوريّا.
وفي العائلة نفسها ، نجد الجذر الثلاثي الصحيح (ز ب ط) :
قال عنه في العباب الزاخر :
قال ابنُ الأعرابيّ: الزّبْطُ: صيلحُ البطةّ البطّة.( صيلح ؟؟؟).
ولم أتمكن من حلِّ لغز الصيلح هنا ، وأرجّح أنه خطأ كتابي حديث.
وقال الفرّاءُ: هو الزّبيطُ، يقالُ: زَبطَ: البَّط يزْبِطُ زَبْطاً وزَبيِطْاً: إذا صَاحَ.
والزّبطانةُ والسبطاَنةُ -بالتحرْيك-: مجرىّ طويلَّ مثقوبّ يرْمى فيه بالبنُدُقٍ وبالُحسْبانِ نفخاً.
وقال الليْث: قناة جوفاْءُ مضرُوبةَ بالعقبِ يرْمى فيها بِسهامٍ صغارٍ تنفْخُ نفخاً فلا تكادُ تخْطى.
وفي القاموس المحيط : زبط البطّ صاح ، والزبطانة لغة في السبطانة ، وهي من مفردات الأسلحة الفردية أو الأكبر ، تجدها في المسدس والبارودة والمدفع على الوصف الذي ذكره الليث .
وقول الليث : أنَّ السبطانة إذا رُمي فيها السهم لا تكاد تخطئ ، أدخل توظيفا جديدا في لغتنا الجميلـــة للجذر (ز ب ط) ، فالعامّة يقولون تعبيراً عن الإتقان الكامل للصنعة (زابطة) والصانع زبّطهـــــا .
والرجل إذا ألان آخـر للحقّ والمصالحة مع خصمه يُقال : زبَّطوه بمعنى أخضعوه أدبيّــاً وليس قهـــراً للطريق الصحيح البعيد عن الخطـــأ .
وبالتالي فهو استعمال سليم وفصيح ولا لَـبْسَ فيه على الإطلاق .
والعائلة الجذورية (ز ب ط) عائلة ثنائية الجذور ، فلا تحتوي إلا على جذرين اثنين هما : ( ط ب ز) و (ز ب ط) .
والزبط يغري بالبحث في الجذر الثلاثي العربي الفصيح (ض ب ط) فهل بينهما علاقة جذورية ما ؟
الضَّبْطُ: لزوم الشيء وحَبْسُه، ضَبَطَ عليه وضَبَطَه يَضْبُط ضَبْطاً وضَباطةً، وقال الليث: الضّبْطُ لزومُ شيء لا يفارقه في كل شيء، وضَبْطُ الشيء حِفْظُه بالحزم، والرجل ضابِطٌ أَي حازِمٌ. ومنه اخذوا اسم الضابط كرتبةٍ عسكرية في الجيش .
ورجل ضابِطٌ وضَبَنْطى: قويٌّ شديدٌ، وفي التهذيب: شديد البطش والقُوَّةِ والجسم.
ورجل أَضْبَطُ: يعمل بيديه جميعاً.
وأَسَدٌ أَضْبَطُ: يعمل بيَساره كعمله بيمينه؛ والضّابطُ والأضْبطُ: الأسدُ، وإنما وصفَ بذلك لأنهُ يأخذَ الفريسْةَ أخذَاً شديداً ويضْبطها فلا تكادُ تفلتُ منه.
وقال الكمَيتْ :
هو الأضْبطُ الهواسُ فينا شجاَعةً  *** وفيمنْ يعادْيهِ الهجفَ المثقـلُ
واللبؤةَ: ضبْطاءُ، قال الجميحُ- واسمهُ منقدّ- يصفَ امرأتهَ :
أما اذا حردَتْ حرْدي فمـجـرية *** ضبْطاءُ تمنعُ غيلاً غيرَ مقروْبِ
وكذلك ناقةّ ضبْطاء، قال:
عذُافرةَ ضَبْطاء تخْدي كأنهــا  *** فَنيْقّ غدا السوّامَ السوّارحــا
وسُلَ النبّي (صلّى الله عليه وسلّم )عن الأضَبطَ فقال: الذي يعملُ بيسارهِ كما يعْملُ بيمينهِ. أي يجيد استعمال يديه اليسرى واليمنى معا ، أما الذي يستعمل يسراه فقط فهو الأعسر ، وهي صفة سلبية عند العرب ، يُذَمُّ صاحبهــا .
وقال ابن دريد: رَجلُ أضبطَ؛ ولا أعلمُ له فعْلاً يتصرفُ منه؛ وهو الذي يعْملُ بيدِيهَ جميعاً . وضَبْطُ الكلمة بالشكل أي بيان حركات الأحرف بدقّة ، فيُحملُ القارئ على النطق السليم والإعراب الصحيح ، كما الفرق مثلا بين ( السنَة) و(السنَّة) لا يظهر إلا بالضبط بالشكل:
(السّـنَةُ : الحول عند العرب أو العام إذا اتّصف بالقحط وندرة المطر ).
و( السُّـنَّةُ : جميع ما أُثــِر عن النبي الأعظم من قول وفعل وصفة وتقرير، وهي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن العظيم) . ولاحظْ أنّا قد استعنا بضبط الكلمتين بالشكل لنحمل أنفسنا على النطق الصحيح بدون خطـــأ .
وهكذا نلاحظ أنَّ هناك عموما وخصوصـــاً بين (ز ب ط) و (ض ب ط):
فالزبط ما ذكرنا ، هو الحَمْل على الحق فلا يخطئ فيه والحمْل هنا أدبيّ ليس فيه قوة ولا حزم ولا إجبار ، أما الضبط فهو حِفْظُه بالحزم والقوّة،
وهكذا فلنلاحظ دقّــة لغتنا العربية الفصحى ، لغة القرآن الكريم الخالد المعجز ، لغة أدق من ميزان الذهب ، وهو أحد أسباب اختيار الحق سبحانه وتعالى لهــا وعاءً للقرآن الكريم .
هذا واللـــــه أعلم ، والحمدُ لله ربِّ العالمين .

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق