يوم محموم في مدينة سيدني

الكاتبة: أمان السيد - سوريا

الكاتبة: أمان السيد - سوريا

شبكة المدونون العرب - الكاتبة: أمان السيد - سوريا

"

سحب كابتن كوك قبعته البيضاء الملقاة على الأريكة في غرفة الجلوس من الركن الذي يجلس فيه عادة، وقال: هيا، لننطلق! شعرت أن زورق سباق أبيض سينطلق.
هذا العجوز يريد أن يريني المدينة الجديدة. من المؤكد أني لن أرفض أي إنسان يقودني إلى الانطلاق، لكن كيف ستكون هذه الرحلة؟ عليّ أن أصبر!
يبدو أنه سيكون طويلا، هذا اليوم الذي سنتجول في سيارته القديمة في شوارع مدينة سيدني الأسترالية.
ها نحن نصل بسهولة إلى أول نقطة حددناها.
كنت أشك أن هذا الرجل الذي أركب إلى جانبه قد تجاوز الثمانين من العمر. رأيتني أطلق عليه وصف: " كابتن كوك يبعث حيا." على رأي كونفوشيوس، ومن يؤمنون بالتقمص من أبناء بلدنا الأعداء.
حقيقة، لم أصادف مثله في حياتي سوى صديقين فيسبوكيين - هكذا كنت أحدث نفسي- وأنا أحتل المقعد المجاور في سيارة الفورد القديمة التي أكدت لي أنها واثقة كصاحبها، لم أكن أتوقع أن أرافق هذا العجوز يوما، ويكون بهذه القوة والصلابة والإرادة، لأنني لم ألتقه في حياتي إلا منذ ثلاثين عاما لم تكن كافية لتخزين ذكريات ذات قيمة عنه.
حين سمعته في البيت يكركر قصصا مضت ظننت أن العجوز قد انتهت به الذاكرة عند ما تخزنه، يستعيد ذكرياته كما يفعل كبار السن عادة، لكن في أول مغامرة معه، وأقول مغامرة، لأن كثيرا من الكلام كنت قد سمعته عن تهوره في سياقة تفوق سرعة فهد، وعن تجاوزه لإشارات المرور، وعن يديه الصلبتين حول المقود، وعن كثير من المخالفات التي لا يهتم بها.
كان يوم ماجنا بكل ما في هذا الوصف من المعنى: الغابات، البحر، الأنفاق، مركز المدينة الذي ينجذب إليه الغريب القادم لأول مرة، أرتال السيارات، اتجاه مقاودها لليمين ذاك الذي أدخلني في دوامة، إعلانات النساء العاريات على الطريق والتي لفتني فيهن سمن أجسامهن الذي جعلني مثلا شعبيا يحضرني: إن لكل فولة  كيالا، ثم إني بعدها استسلمت حقا إلى جولة الدهشة هذه.
كنا نستهدف مقهى يرتشف البحر- وكانت رغبتي - لنحتسي القهوة التي لم أكن قد احتسيتها بعد، لست أدري  لماذا خطر لي في تلك اللحظات ما سيحصل لو أن القهوة اختفت عن وجه البسيطة كما قرأت مرة لكاتب عرفت أنه يماثلني الهوى، فأيقنت أني سأخسر ألقي دفعة واحدة، وسأتحول إلى مكعب خشبي.
ما أزال نعسى، لكن، بي شوق إلى التأرجح على الطرقات، بي شوق إلى اغتصاب الأرصفة، وسكب الوله عليها في جو ساحر مشبع بالبرودة اللذيذة، ولون سماء متمازج وزرقة نرجسية تصطف فيه ندف الغيوم بأشكال بعثت فيّ طفولة منسية في بلاد تحولت إلى شرك ومصيدة.
الببغاوات البيض تقفز من شجرة إلى شجرة، والطيور والغربان تصدر أصواتاً   أشبه بصراخ أطفال يتألمون في ذاكرتي، ومع ذلك فكل شيء كان  يحثني على الابتهاج، واشتهاء الحب، لذا تناسيت ما يشعر به السائقين من الحذر عادة حين يجلسون إلى جانب سائق آخر، واستسلمت إلى الطريق والغابات بتخيلات جديدة.
"ما أروع أن تعيش كل يوم بذاكرة تستجدّ!".
قلتها لظل يرافقني طوال الطريق، ويتطاول كشبح لامرأة تشبهني.
لم أكتشف أننا تهنا إلا حين أظلم الليل، وحين استنتجت كم من شوارع قطعناها، ثم رجعنا إليها ثانية، كان النهار قد استكان إلى ذراع الليل وأخذا يعبان النسيم كعاشقين حميمين، وكنت ما أزال سعيدة ملتذة بالتعابث مع ما يحيط بي، لكني حين اشتدّ الظلام، وغطس بنا المدى أحسست أن القلق أخذ يجتاحني، حاولت أن أتنصل منه، لكنه تكمش كحشرة بادئا سفر الهرش وسلبي المتعة.
" شارع فآخر، لم لا تنتهي الشوارع "؟!.
سألته، رغم أنني وددت أن أكمل استسلامي إلى الصمت. لم يكن يجيب، بل يتمتم، وأحيانا يرفع صوته، لكني لم أكن أريد أن أفهم ما يقول.
إنه يتحدث كثيرا، وكانت اللامبالاة تجللني، لذا هززت كتفيّ، وسرحت بما يتكسر وراء الزجاج أمامي من الرؤى والخيالات.
توقف ليستفسر عن خط سيرنا. أكثر من مرة توقف، أما ابنته التي هاتفناها، فقد ضحكت كثيرا وأنا أقرأ عليها اسم الشارع الذي وصلنا إليه.
قالت: أتعرفين أين أنتما؟ إنكما في شارع.. ولم تكمل. فقط اكتفت بقهقهة حملت رائحة نساء، ورجال يتمرغون في شهوة عفنة!
أخذت أتلفت والشبق يحتلني. الشبق ذاته الذي لا يستكين في الرجل العربي الذي لعلي تحولته الآن، وددت أن أتمعن في النسوة الليليات عن قرب، وهن يسرحن بلا اكتراث بحثا عن المتع الرخيصة، إنه مشهد يستثير الخيال لكاتبة مثلي تعيش في تفاصيل كل ما تدخله، لكني لم أر غيرعشاق يتجولون، وآخرون يحتسون الشراب على الأرصفة، وفي المقاهي.
تمنيت أن أكون تلك التي تتعلق بذراعه، أو تلك التي يظهر رأسها سعيدا من نافذة المطعم، وهي تسرح في كأس شراب شفاف، أو تلك السيدة الأنيقة التي ترتدي فستانا أسود مسلوب الذراعين يعتصرها رجل وسيم في ناد ليلي. كل شيء الآن بيني وبينه أسوار، لكن اشتهاء الحب في هذه اللحظات لا يُحدّ، واستدعاء الخيال لا يقدر عليه الرقباء مهما حاولوا.
تمتمتُ ثانية للصورة المنعكسة في الزجاج أمامي: "كم أنك جبانة، فبدلا من أن تتوهجي بالعشق الآن تسيرين كعسكري مجندل بالسلاح في موكب رسمي!".
" يبدو أن موعد انطلاق العاهرات ما يزال مبكرا"، بذاك حدثت نفسي حين تذكرت أنني مررت بهذا الشارع منذ عشر سنوات سبقت عندما زرت سيدني، وكانت الكثير من النوافذ مشرعة تصطف فيها فتيات بينهن وبين الضوء عداوة وخصومة،  تتصدرن النوافذ ثناء، وثلاث بصدور تضجّ بالعري وبالرغبة، وبضحكات تدوّي كالقنابل، وكنّ يتشاركن في إرسال الإشارات، ويُشرن بإغراء إلى مارين لا يحفلون بهن.
ما دخل القنابل الآن؟ لست أدري، لا.. إنني أدري تماما.. لقد كانت النسوة سعيدات جدا كما حدثني غُوليَ الباطنيّ، لا كما كنتُ أتعثر، وأنا أغطي عينيّ، ورأسي خوفا من القذائف التي تهطل علي، وأنا أراقب شاشات التلفاز التي تتناسل وهي تنقل أخبار الحرب في وطني، وأتخيل مشاعر النساء، وهن تُسلبن السلام والاطمئنان، والحب.
مثلي تدرك تماما أن أصعب ما تسلبه المرأة هو الاطمئنان والحب!
تصطف في هذه اللحظات مدن عديدة بُعثتُ فيها، ومدن سافرتُ إليها، ومدن عشتُ فيها، ومدينة أنجبتني للوجود، تلك التي أسمع بكاءها عليّ كل ليلة، وأكفكفُ دموعنا على وسادتي، غادرتها منذ سنوات، وما تزال ترهقني بإصرارها على ملاحقتي، وسلب أية محاولة للترف الكاذب بعيدا عنها.
تصطف أمامي صور شتّى لمكتريات المتعة، ينبت فجأة بينها رجل أمام سلّم ينتهي إلى وكر ليلي في شارع مكتظ بالثلوج، كان يشرح لي عنهن بوجه فيه الكثير من التعبيرات المبتذلة، والرغبة في دفعي إلى تجريب ما أرى.
كان يقول: إنك جميلة جدا. أتخيل كم ستجنين لو عرّيت إحدى كتفيك فقط. لن تحتاجي أن ترتدي معطفا من الفرو على جسد عار مثلما يفعلن، ألا تعلمين أنك إناء يفيض دون أن ينسكب؟".
بين نفسي، وبيني تمنيت أن أجرب تبادل الأدوار لعلي أخرجُ من غُولي الداكن قليلا، ومن دور الشرطي ذي  الكتافات والنجوم والنسور. أعرف أني لا أفقه في الألقاب العسكرية شيئا لكني أكتفي بخوف، وكره دفين للقبعة العسكرية، وللبوط الأصم الذي ينتصب في مدخل مدينتي نُصبا يُصرّ على تكريس القمع والموت، وسحق سيمفونية الحضارة، وأفضل العاهرات على كل ذلك.
كثير من الماشين  كانوا غير عابئين، وكعادتي كنت العابئة الفردية التي تحاول تخيل ما وراء الوجوه من قصص، وتصًٌَُِر على أنّ الوجع هو المحرّض المباشر على الرذيلة.
تبّا لما أدّعيه من إنسانية تدبّج لي الأحداث بشكل مأساوي، لماذا باستمرار أستدعي قضبان أفلاطون وأسجن وسوساتي بينها؟ أليس هناك من يبتغين اللذة لأجل اللذة نفسها؟!
أووه.. لقد غفلت أن كابتن كوك يتكئُ على المقود بجانبي، لم أكن أسمعه رغم أنه كان يتحدث بصوت مرتفع، وهو يذمّ سنواته الثمانين، ويتحسر على شبابه.
قاطعته: صدّقني.. أنت تتفوق على العديد من الشباب!
وكأن ما قلته قد أراحه، فاستمر بالفضفضة، واسترسل: أريد أن أتزوج من صبية عشرينية، سآتي بها من بلاد فقيرة، هكذا فعل صديقي، لقد جلبها من اندونيسيا، وهي تقوم على خدمته، تغسل رجليه يوميا بالماء والملح. لقد نصحني بذلك، وقال: ستستعيد شبابك، وتتحول إلى سلطان زمانك!
بلاد فقيرة؟ّ! حتى أنت يا كابتن كوك من أولئك الذين يسترخصون الفقراء، ويكترون بناتهم؟!
" لست أريد اقتناءها كسلعة، لدي المال الكثير، وأنا أعشق الجمال، أريد أن أستمتع به ليس غير.أريدها أن ترقص لي، و...".
أتراه لم يدرك أن أفكاره أمامي تنهتك بكاراتها، ولا يحتاج أن يسهب في الشرح لتتعرى، وليوصل إليّ كم هو يتشهّى ممارسة الجنس، ولا أنه يتجنبُ أن يعترف بأنه قد تحول أضعف من غشاء بين قدمي ضفدع، أما أنا فلا أشك أنه يحتسي الفياغرا كما أحتسي أنا القهوة.
هل عليّ أن أذمّ ما يدلي به؟ ولم أفعل ذلك؟ ألست من الصارخات بالحرية، والانفتاح؟! يا إلهي، ما أكثر ما أحمله من التناقض!
لكن لماذا، وأنا أذكّرهُ بأمر أعتبره واجبا عليّ أن الصبية ستتركه فيما بعد إلى قرين يجاريها شبابا، وتأججا، أشعر بالغثيان، وكأن العبارة تصدر عن لسان لا ينتسب إلي، ولماذا أكذب على نفسي، وأتنكر لما يعتريني الآن: إنّ هذه المدينة تبثق فيّ شهوة مستميتة إلى مضاجعة رجل أنتقيه بنفسي، وأشترط أن يوازيني جموحا، ولمَ أراني الآن أنصّبُ نفسي سفيرة للعربيات اللواتي يُجلدن بسياط الخوف والحرام، ومع  ذلك  يحملن السياط معهن إلى بلاد الحريات؟!
الصورة تتململ الآن في خدرها: حصان، وسوط، وصهيل في بئر من الحرمان!
بئر الحرمان؟! أليس فيلما لإحسان عبد القدوس؟ّ! تبّا لما بثتهُ رواياتك في جسدِ المراهَقة من ثورات!
كابتن كوك من أين أتيتني؟ يا لهذا العناد الذي تتقمصهُ، لا يعطيني فرصة للاستفسار، وطوال الوقت علي أن أستسلم إلى الاتجاه الذي يحدده الذّكرُ لي!.
كنتُ أحسبني المتمردة، ولكن ما الذي يدفعني اليوم إلى الاستسلام في جموح هذا البحار المغامر؟ لن يصدق أحد أنني اشتهيت الضياع وألا أعود إلى رشدي، مع هذا البحار المجنون.
كان يتجاوز الطرق  الفرعية غير آبه بشيء، أما روحي فكانت تتكسّر، بينما لم يكن شيء يستطيع أن يوقفنا، هو كان في وادٍ، وأنا كنت في تكاديس من الوديان.
فجأة قفز!
لم أنتبه  كيف أوقف السيارة، ولا متى انطلق كسهم قاطعا الطريق السريع " الهاي وي" مشيا على قدميه، ليسأل أحد المارين عن موقع البيت الذي تهنا عنه.
أغمضتُ عيني، كان بودي الصراخ: انتبه يا رجل، يا لجنونك، لكني آثرت التنصل. واضحٌ أنه معتاد على رمي القذائف!
ها هو يستسلم، يرتل اللحن المنسوخ في ذاكرته القديمة: ويردون إلى أرذل العمر، العجائز يجب ألا يقودوا سيارات في الليل، في المرة القادمة سأركب بوصلة للسيارة...
وصلنا أخيرا. كابتن كوك يحاذي البيت، ويصفق باب سيارته، أشعر به يركم فيها كل ما باح به طوال الطريق، أنسحب أنا وراءه في ريبة وشك من سلامة الوصول، يسبقني مرتقيًا درجات السلم بسرعة الفهد أيضا.
إنه هناك في الغرفة المجاورة يتلو الصلوات، ويعلي صوته بقراءة القرآن، وأنا.. أنا.. أكتب، وأكتب، وأطالب بالحرية والعدالة، وبموت القتلة، وكأنني أولع الدنيا بالنيران التي تشبّ في جسدي. أنكبّ على لاب توبي الذي سرت إليه الحمّى، وأنا أصرخ:
يا لك من امرأة لا تتقن إلا معاشرة الكلام!

"

التعليقات

تعليقك على الموضوع

تم ارسال التعليق